اخبار مصر - هجرة الطيور
17 يونيو2021 مـ 6 ذُو الْقِعْدَة 1442 هـ
مظهر شاهين ينعى الشيخ أحمد فرحات الإخوان المنشقون: حزب النور يقود مصالحة الإخوان والدولة إسراء عبد الفتاح تشيد باستقالة وزير العدل: «لازم نغير ونتغير» «الخولي»: «عندما يميز وزير اقترن اسمه بالعدل.. فنحن أمام فاجعة» محمود بدر عن استقالة وزير العدل: «ابن الزبال طرد الوزير» حزب الغد: إقالة وزير العدل يؤكد أن السيسي يحترم شعبه جهات سيادية تبحث ملفات 4 أسماء لخلافة «صابر» وزارة الري: إزالة 3397 حالة تعد على نهر النيل مغازي: نظم المعلومات والتصرفات المائية أهم المجالات بين مصر والسودان صحفي الجزيرة: هناك من يبايعون داعش داخل السجون محلب: والد وزير العدل المستقيل لم يكمل تعليمه مصادر: السيسي يلقي كلمة للأمة غدا نقيب الزبالين عقب استقالة وزير العدل: "لا مجال للخطأ والعدالة فوق أي اعتبار" أزمة وزير العدل المستقيل.. من البداية للنهاية خريجو الحقوق والشريعة: استبعدنا من تعيينات المركزي للمحاسبات رغم اجتياز الاختبارات "الأهرام" تصف أعضاء نيابة محاكمة مشجعي نادي الزمالك بـ"الانقلابيين" حقيقة احتجاز عدد من المصريين في ليبيا مصادر: محلب سيعلن رسميا اسم وزير العدل الجديد عقب عودته من فرنسا باسم يوسف يقدم حفل جوائز الإيمي الدولية الـ٤٣ العثور على جسم غريب قرب مطار أنشاص الحربي في الشرقية بالأسماء.. مصرع وإصابة 10 أشخاص في انقلاب سيارة بكفرالشيخ حقوقي عن استقالة وزير العدل: «أراح واستراح» «أبو سعدة»: قبول استقالة وزير العدل خطوة تحترم من الحكومة «الدستورى الحر» يطالب بتغيير مسمى «عامل النظافة» لـ«عامل تحسين البيئة» «المصريين الأحرار»: وزير العدل أقيل ولم يستقل «عضو لجنة العشرة»: السيسي يتولى «التشريع» حاليا دون سند دستورى مكتوب «أبو العينين» يشيد بقبول استقالة وزير العدل بالصور.. «بيت العائلة» ينظم برنامجا تثقيفيا للشباب بالإسماعلية مصادر: حديث السيسي غدا يأتي في إطار التواصل مع الشعب دون وسيط وصول زوجة «الأمين» إلى مطار القاهرة لاستكمال علاجها بمصر
+فيديوهات
  • بالفيديو.. لحظة وصول «القوة الضاربة» السعودية إلى حدود اليمن
  • بالفيديو.. معلمون بقنا يطاردون ثعبانا في امتحانات النقل بمدرسة
  • وزير العدل: «ابن عامل النظافة مينفعش يبقي قاضي.. وكتر خير أبوه على تربيته»
  • بالفيديو.. «شوبير» يهاجم «أبوتريكة» على الهواء

هجرة الطيور

الأحد 05 ديسمبر 2010 01:34 ص

إتصل بي أحد الأصدقاء يدعوني إلى مزرعته الريفية التي كان قد اشتراها قبل أعوام ثلاث بعد غياب لأكثر من عقدين في المهجر، وأرسل لي سائقه الذي ركبت إلى جانبه في السيارة ذات الدفع الرباعي لتخب بنا الأرض بثبات خارج المدينة وتسلك طرقاً ضيقة في معظمها ووعرة في بعضها لعدة كيلومترات طلوعاً نحو الجبل ومن ثم انحدار بعد تسلق طويل باتجاه سهول منبسطة خضراء واسعة تسر الناظرين، يحاذيها جنة وارفة من أشجار الشوح والعفص والصنوبر المحيطة بمنزل يعلوه قرميد



إتصل بي أحد الأصدقاء يدعوني إلى مزرعته الريفية التي كان قد اشتراها قبل أعوام ثلاث بعد غياب لأكثر من عقدين في المهجر، وأرسل لي سائقه الذي ركبت إلى جانبه في السيارة ذات الدفع الرباعي لتخب بنا الأرض بثبات خارج المدينة وتسلك طرقاً ضيقة في معظمها ووعرة في بعضها لعدة كيلومترات طلوعاً نحو الجبل ومن ثم انحدار بعد تسلق طويل باتجاه سهول منبسطة خضراء واسعة تسر الناظرين، يحاذيها جنة وارفة من أشجار الشوح والعفص والصنوبر المحيطة بمنزل يعلوه قرميد أحمر على خلفية تلة صخرية مرتفعة. كان المنظر رائعاً يضاهي الحفاوة التي استقبلني بها صاحب الدعوة الذي دعاني للجلوس على كنبة من الخيزران مريحة. وقد استلقيت مأخوذا بروعة مشاهد الطبيعة حولي وطراوة الطقس المترافق مع نسيم خفيف من الهواء البارد المنعش الذي يندر في أشهر الصيف إلا لمثل تلك الأماكن الجبلية، مما زاد من الجلسة لطافة وتنعماً وتسبيحاً وتعظيماً للخالق على كرمه وسخائه. تجاذبنا الحديث لفترة من الوقت واسترجعنا أيام الدراسة وحميمية الزمالة عن أيام لن تعود بساطتها قياساً مع الزمن الحالي. وبعد أن ارتشفنا القهوة واسترحنا دعاني إلى ماكنت أتلهف إليه، للقيام بجولة في مزرعته الكبيرة التي تبلغ مساحتها مائة دونم ونيف. وقد تبين لي أنه يهوى إقتناء الخيل وركوبها حيث أن لديه فرس وحصان ومهر في حظيرة جانبية يعتني بهم سائس خاص. وقد دعاني لركوب الخيل والتجوال إلا أنني فضلت السير بين البساتين التي كنت قد أخذت بروعتها وبهاء اخضرارها بمنظرها الخلاب وتدرج ألوانها السندسية، مع إطلالي عليها نزولاً من عل. ولكن روعة هذا الجمال بدأ بالتداعي مع دعوته لي بالخوض مشياً بين المزروعات، التي ماأن إطلعت على محتواها حتى صدمت وخاب أملي بما بدأ يشكو منه. فالزرع مبعثر وكأنه أخذ بإعصار بما تناثرت سنابل الحبوب وتقصفت، وقضمت الخضار بعشوائية بالغة كمن يتعمد الإضرار والأذى. ولم يكن الوضع بحاجة للشرح أو الإفاضة، فالقوارض تسرح في البستان وتمرح مع غياب الحراسة اللازمة وفقدان الرعاية بما يصدق عليه القول بأن " المال السائب يعلم الناس الحرام ". فاكتفيت بساعة من التجوال وعدنا لتناول الغداء لأسمع نباح كلب يتبعه فارس وبيده بندقية، لم يكن سوى إبنه البكر الذي عاد باكراً من رحلة صيد لتتضح معالم هذا الخراب وأسباب التلف لحقوله. إذ أن صاحبنا عندما اشترى الأرض قبل سنوات وابتنى عليها منزله، قام بنصب بعض الشجيرات المثمرة على تخومها مما أعطاها لمسة جمالية إضافية جذبت إليها المزيد من الطيور التي أطمعته وفرتها في محيطه وجواره فشرع بالصيد هاوياً ليصبح وابنه مدمنان إقتناصها على اختلاف أنواعها بشكل جائر، مع دعوته الأصدقاء لمشاركته هوايته في كل الأوقات والأزمان حتى هجرت الطيور الموقع والمكان وابتعدت إلى حيث تنشد الأمان من أعمال الإبادة والإفناء. وفيما أنا مستغرق فيما آل إليه الحال بادرني بعد أن عرض مشكلته بالسؤال المزمن ماالعمل؟ أجبته تسألني حلاً ! وقد قتلت كل حراس مزرعتك المجًانيين الذين لايسألونك أجراً أو كلمة شكر، قتلت الطيور التي كانت تتجول بأمان في هذا المكان النائي ساهرة على الأرض والزرع والأشجار تأكل الهوام والديدان، ولولا أنك قد أبقيت عليها لكان ثمرك يانعاً وزرعك قائماً. وبدلاً من رعاية حراس أرضك الطبيعيين، بابعاد الأذى عنهم من الطامعين بلحومهم، قتلتهم بيدك لإشباع رغباتك، فانعكس الأمر أذى شديداً على مشاريعك الزراعية. قال حسناً الطيور تقتل الديدان ولكن هل لها من سبيل على القوارض المتكاثرة عاماً بعد عام وهي الأشد خطراً والأكثر ضرراً على المزروعات ؟ قلت بالطبع فهناك الطيور الجارحة التي تلعب أيضاً دوراً رئيسياً، كما العصافير في خدمة البيئة والزرع، حيث أنها تقنص القوارض من فئران الحقل وتبيدها. وقد تتوطن هذه الجوارح في موقع ما طالما أن القنص متوفرا لها لسد حاجاتها وتربية صغارها. ولكن رغم وفرة الطرائد من القوارض فإن هذه الأرض حولك قد أضحت محرمة على كافة أنواع الطيور هرباً من الأعيرة النارية التي أضحت من معالمها على مدى سنوات ثلاث فغدت مرتعاً للقوارض وفئران الحقول. ثم أردفت، لابد وأنه كان في هذه الأرض بعضاً من الأفاعي السوداء المعروفة بالحنش وأنك أيضاً قد قتلتها. قال نعم لأنها كانت تتسلل للقن وتأكل بيض الدجاج ! قلت ويحك إن قتلك لهذه الثعابين كان خطأ كبيراً لأن غذاؤها المفضل هو الفأر وكافة أنواع القوارض حيث أنها تستطيع ملاحقته حتى جحره لتلتهمه وصغاره. كما وأن الفأر حيث تتواجد الأفاعي يفضل الإبتعاد والترحال وإلا قضي عليه منها إن تشبث بموقعه. وتابعت لقد فات الوقت والأوان لإنقاذ الموسم الحالي لديك إلا قلة منه إن وفرت بعضاً من أدوات الحماية الطبيعية طالما أنه أعيتك الحيل من السموم والفخاخ، وماعليك سوى أن تقتني ثعباناً في أرضك تشتريه من أحد الحواة، بالإضافة لهرين على ألا تشربهما سوى قليل من الحليب صباح كل يوم ،لأن طعامها من الفئران متوافر في الحقل، فوجودهما كاف ليبث الرعب في الفئران ويغادروا المكان. كما وينبغي أن تمتلك بضعاً من البلابل الصغيرة في قفص، وهي متوفرة كثيراً في السوق، على ألا تطلقها بين الأشجار قبل ثلاثة أسابيع من احتباسها. وهذا النوع من الطيور مهم جداً لأنه يدجن وبالتالي يتوطن ويجلب الطيور الكثيره على أنواعها لقوة صفيره، وعندها سيخف الضرر كثيراً وقد ينقذ نصف المحصول بما تأكل من الحشرات والديدان، ولكن لن يكتمل الأمر إلا مع إقتناء صقرين أو أكثر وعندها سينجو المحصول بأكمله في العام القادم شرط الإمتناع عن الصيد تماماً واعتبار الموقع شبه محمية طبيعية مع ملائمتة لهذا الأمر. سألني صاحبي ومن أين لنا بالصقر ؟ قلت فلننتظر حتى نهاية أيلول ومطلع تشرين – أكتوبر- حيث موسم هجرة الطيور وعبورها في هذه النواحي ليصار إلى صيد أحدهم من بعض الخبراء وتدجينه ليقوم بمهمة الحراسة والفتك بالمعتدين من القوارض على إختلاف أنواعها. وكان لابد من التحدث عن هجرة الطيور نزولاً عند رغبته.
هجرة الطيور أهدافها وأسبابها:
نعني بهجرة الطيور انتقالها من قارة إلى أخرى لهدفين رئيسين هما الدفء والطعام بشكل عام، باستثناء الطيور المتوطنة في المناطق الباردة. لذا فإن هجرتها تتوالى طوال الفصول الأربعة وإن إختلفت أعدادها وأنواعها بين فصل وآخر. وهي في هجرتها من أوروبا إلى آسيا وأفريقيا وبالعكس، تعرف في منطقتنا بالطيور العابرة. وأهمها عدا العصافير الصغيرة، القطا والنغاق والبط المكحل أو الكرك والوز الربيعي والسمان والصفار والوز الشتوى والحبارى واللقلاق والبجع والنسور والصقور وغيرها كثير. ولكن يبقى دائماً السؤال المحير الذي لم يتم الوصول لجوابه حتى الآن سوى بالتكهنات، هو لماذا تهاجر الطيور وكيف تتعرف إلى مقصدها؟. ونحن أيضاً سنخوض تلك التكهنات التي سأعتمد فيها ألإقناع بشرح الأسباب التي تدفع بالطائر للهجرة وشرح الكيفية التي ترشده لقطع آلاف الكيلومترات دون أن يتوه عن هدفه وما هو دليله ؟ وهذا مايبحث عنه الجميع للوصول إلى القناعة اللازمة والإرتياح لكشف هذا اللغز المحير الذي يتعقبه ويتشوق إليه الكثير من المهتمين بالبيئة وحب المعرفة.
مع التعمق والتدقيق في أوقات هجرة الطير ودراسة وتحليل الموقع المهاجر منه وذلك الذي يقصده، فإننا نتوصل للاستنتاجات الملائمة لكشف سر ترحاله أو هجرته كالتالي :
ليس للطيور أو الحيوانات أدوات أو أجهزة خارجية تساعدها في تنقلها وترحالها وطيرانها كما للإنسان بما يتسعين به من أجهزة ووسائل متطورة وألكترونية. ولا يمكن القول أنها تستجيب لغرائزها فقط في طيرانها للوصول إلى هدفها وإلا كان الأمر غاية في التعقيد وعصي على القبول والفهم، إذ ليست آلة أو قطار لاتفكير له ينتقل ويسير وفق الخط المرسوم له، وهذا غير منطقي أو مقبول فلابد من حواس لديها، بديلاً عن الفهم والعقل والمقدرة والاستنباط والإختراع لدى البشر، وإمكانيات تتميز بها عن الإنسان لمساعد تها فيما يعينها على تدبر شؤونها بالتكيف مع مصاعب الحياة. ولكن يبقى السؤال الآخر والأهم وهو هل أن هجرتها كانت في سبيل الطعام والمناخ المعتدل فقط ؟ وهناك فصائل من الطيور عديدة، كما حيوانات مختلفة تعيش في مناطق نادرة الغذاء وشديدة الحرارة أو البرودة ومع ذلك لاتهاجر أو تغير موطنها، فما معنى هذا التمايز وإلى ماذا يرمز ؟ وما الهدف من هجرتها مع توفر الغذاء لها أينما حلت وتوطنت ؟ وما الذي يدفعها للانتقال والترحال ؟ أسئلة وجيهة أوجزها بأن الطيور جزء رئيسي من الدورة الطبيعية المتكاملة للحياة أو الغذاء، وليست مجرد طيور للأكل، بل عليها واجبات ومهمات ووظائف من أجل خدمة الإنسان كما سائر الحيوانات والنبات من خضار وحبوب وزهور وأشجار. فالنبات له أدوار عدة منها تأمين الغذاء للإنسان، والطعام للحيوانات للاستمرار في الحياة والتكاثر لاستخدام بعضها من قبل الإنسان في قضاء حاجاته وأكل بعضها الآخر، ولصنع الدواء واستعمالات أخرى متعددة ومتنوعة ومتحولة كالقطن والكتان. والحيوانات المتوحشة خلقت من أجل أكل الحيوانات الآكلة للعشب حفاظاً على عملية التوازن البيئي أوالزراعي. وهكذا دواليك بحيث يكون كل مأعلى الأرض وما حولها مسخر لخدمة الإنسان. وعليه فإن هجرة الطير تنضوى تحت هذا السياق لخدمة الإنسان فهو ينتقل من بلد إلى آخر في رحلة طويلة بين مختلف قارات العالم بما خصه الخالق به من حاسة الشم الفائقة الحساسية بحيث يشتم رائحة نسائم الربيع وبراعمه وعبق مواسم الصيف من خضار وفواكه من أمكنة بعيدة جداً وهو محلق في أعالي الجو فتتسلل إلى خياشيمه مع التيارات الهوائية الدافئة. وهنا تأتي الغريزة الحيوانية المبرمجة في الرغبة بالانتقال الجماعي للتوجه نحو مصدر هذه التيارات بأريجها فتحط بين الحقول الزراعية فتعمل على تأمين غذائها بتنقية المزروعات من الحشرات الضارة وبذلك تقدم خدمة مجانية للإنسان بما أمرها وحباها الله به. هذا بالنسبة للعصافير أما بالنسبة للطيور الجارحة فإنها في طيرانها تنقض على القوارض بين المزروعات وتلتهمها إلى أن تبيدها. وهكذا دواليك كل عام تهيم الطيور والحيوانات على أنواعها في الأرض وتسيح، تدفعها واجباتها التي خلقت لأجلها لتحافظ على توازن البيئة في النبات والحيوان كل حسب دوره بحيث لاتطغى إحداها على الأخرى بما فيه مصلحة الإنسان. ولكن أين الإنسان من هذا التوازن المسخر لأجله وهل يدرك مصلحته فيما يقوم به ويمارسه تجاه الطير والحيوان ؟ إن إستعرضنا واقعه فإن الجشع والفوضى هو الذي يحكمه. فقديماً كان الإنسان يعتمد بصورة مطلقة على إنتاج الأرض دون إضافات كيماوية لمزروعاته بما يحفظ الطير من الأذى والتسمم، كما بدائية الصيد التي كانت تعتمد على أدوات بسيطة جداً لاتخل مطلقاً بتوازن الحيوان أو الطير من حيث تكاثره بما يتلائم وحاجة المزروعات لأعداده. ولكن حالياً باستعمال أبشع الأدوات ولغياب الوعي والقوانين فإن الصيد الجائر وتوسع متطلبات الإنسان قد أخل بهذا التوازن، بحيث إنقرضت على مدى عقود متوالية فصائل عدة من الحيوانات والطيور، وأضحت الأرض قليلة الموارد لولا المحسنات الزراعية والسموم التي تؤذي الإنسان والطير وتضر بهما. وهذا واقع نلحظه في تدني أعداد الطيور وانقراض بعض أنواعها بشكل مريع عاماً بعد عام بحيث أضحت بما تبقى منها غير كافية لتلبية حاجات الإنسان وخدمته، عدا أنها قد أصبحت تحلق عالياً جداً، بعيداً عن حقوله المتاخمة لأبنيته خوفاً من أعمال القتل المعتادة. وهكذا فإن الإنسان في قتله الطير قد حرم نفسه من آلة مبرمجة ربانية غاية في التعقيد لخدمة زراعاته وبيئته غير قادر على إنتاج مثيل لها ولو بذل كل مايملك من جهد ومال.
أهمية الصقر في التوازن البيئي:
مع إقتراب الخريف وطول انتظار بدأت تباشير الصقور بالعبور فوق الأرياف والجبال. وهي في عبورها غاية في التنظيم والدقة، حيث أنها تبدأ بالترحال فجراً مع تباشير الصباح ،مستلهمة مقصدها ومدركة خط سيرها بما تحمل إليها التيارات الهوائية البعيدة من نسائم الروائح التي تنبئها عن توفر غذائها مع نضوج المواسم وإقتراب مواسم الحصاد لمختلف أنواع الحبوب في مواقع وأماكن معينة ‘ فتتوجه إليها في تسابق مع الزمن لتنقذها من القوارض والحشرات، قبل أن تعمل بها فتكاً، بما يحفظ المحاصيل من التلف والضياع خدمة للإنسان بما يوفر عليه من جهد ومال. وبدلاً من أن يفرح الإنسان بهذه النعمة السماوية ليرعاها ويحميها، فإنه يعمل بها قتلاً وإفناء لجهله خاصة وأنها غير صالحة للأكل لسؤ مذاقها، كما يعمل بالعصافير قتلاً وإفناء بما لايغني ولايسمن من جوع سوى للتسلية.
بعد تشاور مع صديقي إتصلت بأحد الخبراء لصيد صقرله واقتنائه عسى أن يساعده على حماية حقوله وحراستها من المتطفلين والمخربين من القوارض. ذهبنا جميعاً في اليوم التالي قبل إشراقة الشمس صعوداً على علو 2500 متربعيداً عن القرى والسكان عند حافة جبلية، حيث نصب الصياد شبكة على عصى وعلى بعد منها صقر إنثى في قفص لساعات عدة دون جدوى. في ذلك الوقت كنت أراقب بمنظار قوافل أسراب الصقور وأنواعها بألوانها الرمادية والبنية المحمرة المتدرجة من قاتم لفاتح وحجم ذيولها واتساع أجنحتها المنبسطة وفق سنين عمرها، التي كانت تهيم بشكل رائع لمسافات طويلة وكأنها سابحة على بساط من الهواء،كما وتدور حول نفسها ككتلة واحدة وفق تجمعات متعددة وكأنها تبحث بعيونها الثاقبة عن طريدة ما. ولكن مالفت نظري لمرات عدة هو أنه عند فجر كل صباح تسبق أسراب الصقور بضعة منهم متفرقين، تبين لي فيما بعد أنهم ليسوا سوى كشافين من الأقدم عمراً، ليتبينوا صحة الطريق وسلامته ثم لتأتي الأسراب خلفهم لتعبر ما شقوه من مسالك. وبينما الأسراب تطير فإنها محاطة بالعديد من الصقور القاتمة اللون على طرفيها لتدفع إلى داخلها الصقور الصغيرة الشاردة أو العابثة، وما أن يجتاز السرب المنطقة حتى تلحظ بعضاً من الصقور تلحقه بمروحة واسعة بحثاً عن صغار تائهة لتدفعها نحو مجموعتها لتلحق بأقرانها.
مع فشل المحاولات لصيد أحد الصقور تم الإقتراح بالنزول إلى علو ألفي متر نحو تلة منبسطة ليتم نصب الشباك العامودية بالإضافة لحفرتين غطيتا بالشباك وفق طريقة معينة عند كعب مجموعة من الأشجار. وهي طريقة مختلفة تماماً في الصيد عن الطريقة الأولى. وقد نجحت هذه الوسيلة الأخيرة تماماً بعد ساعات من استحداثها لتعلق ثلاثة صقور، تم التقاطها باليد بعد تغطيتها بقطع من القماش ومن ثم وضعها في صندوق خاص بعد ربطها كل على حدة ليتأملها صاحبنا وليطلق إحداها، فقد كانا ذكرين وأنثى، فأطلق ذكر منها مع عدم الحاجة له، ويبدو أنه كان أحد الكشافة نظراً لكبر سنه، وفق مااخبرنا صاحبنا، كان يتبع الصقرين الصغيرين لإعادتهما فأسر معهما.
كان الصيد موفقاً والفرح غامراً ولكن كان يجب الإحتفاظ بالصقرين لأسابيع عدة في غرفة مستقلة هي الكوخ الجانبي، إلا أنهما ظلا لأيام عدة يرفضان الطعام الذي قدم لهما، وكان هذا أمراً طبيعيا متوقعاًً نظراً لكبرياء الصقر وعنفوانه الذي اشتهر به والذي لم يعتد الأسر. ولكن بعد عدة أيام إستأنس الصقران للمكان وبدآ الأكل والشرب. وكان على مالكهما الجديد أن يفتح نافذة الكوخ المشبكة بالحديد ليعتادا على المكان والجوارلأشهر عدة.
مع بداية الصيف التالي هاتفني صديقى لأقضي يومي عنده. استجبت لدعوته، وما أن اقتربت من المزرعة حتى نظرت مشهداً رائعاً لم أكن لأتصوره أو يخطر في بالي، فقد رأيت الصقرين يطيران على علو منخفض فوق حقول الذرة ويسيحان ذهاباً وإياباً بأجنحة مفتوحة وكأنهما يسبحان على أمواج الأثير طوال النهار في منظر يخلب الألباب حيث يحدقان بين الزرع لينقضا عند أول حركة بين المزروعات ليقنصا فأراً أو قارضاً ضلت به الطريق وتاه عن مصيره.
إستقبلني مضيفي بفرح ظاهر وجال بي في المزرعة وبين الحقول فإذا بالمشهد يختلف عن العام الماضي ،فالمواسم مزدهرة والإنتاج جيد ووفير بما يثلج الصدر ويفرح القلب. ونظرت هرين عندما سمعت مشاكسة أحدهما ونظرت خلفي فوجدتهما يسيران جانب الزرع غير مباليان. وكان على أن أسال عن الأفعى التي تبين أنها قد اتخذت ركناً عند زاوية أحد البساتين بين القصب وأضحى رزقها من القوارض متعسراً مع توفر المراقبة الجوية الصقرية، فكان على صاحبنا التعويض عليها ببعض البيض كل عدة أيام يضعها أمام جحرها. وهكذا أدرك صاحبنا بالحاجة والتجربة أهمية الطيور والحيوانات الأخرى في خدمة الإنسان بما تساهم فيه بتوازن الطبيعة بما خلقها الله عليه وحباها به وسخرها له.
بعد تجاذب طويل في الحديث والتأمل بعظمة الله تعالى بما يحيط بنا بادرني صاحبي بالسؤال : إذا كان النبات والحيوان والماء والهواء وكل ماخلق الله على الأرض، له وظيفة محددة لخدمة الإنسان، بما فيه العقل الذي سخر لرفاهيته، فما هي وظيفة الإنسان ولمن خدمته والله تعالى غني عن العالمين ؟ قلت الجواب في قوله تعالى بالآية الكريمة في سورة الذاريات "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ". فسبحان الله الخالق العظيم.[[ملف:[[ملف:Example.jpg]][[ملف:Example.jpg]]]]













التعليقات